على حافة الجنون

 على حافة الجنون    ]قصة قصيرة جدا[

  إنها مدينتي التي يقول الناس إنها جميلة لم أكن اراها كذلك ابدا 

في مدينتي اللا جميلة  يتزاحم الناس للنزول من الترام من باب مكتوب عليه" الصعود "وعلى باب النزول كومة  أخري لناس تصعد،  أهو حب المخالفة والتمرد على القواعدأم أن الجميع لا يقرأون  ⁉️ لكن بعضهم أراه يحمل كتبا،  لعله سيذهب لبائع الفلافل ليبيعها له،  فتكون كالعادة   بحبرها وموادها  التي فيها مكملا غذائيا  تمتصه أقراص الفلافل الساخنة  إنها عادة المصريين الصباحية ولعله سر صبرهم " فالصبر في الحبر"،  ربما لا تدري!!  

مشهد المخالفة هذا كان كفيلا بأن  يعكر صفو مزاجي ويؤفل شمس  تفاؤلي طيلة اليوم وربما ليومين،  نسيت أن أقول لك اسمي.. مختار تخطيت العشرين منذُ عامين  أسكن عالما مزعجا ومشاعر أشد ازعاجا  عشت فيها سبعة أعوام كالسبع العجاف تماما،   كدت أفقد نفسي ووزني  لولا أن الله تداركني برحمته. 

 منذ طفولتي كنتُ أسعى للكمال، لا تبتهج  ياقارئي المسكين لملم بسمتك واحفظ عليك مدحك،  إنه  هذا الكمال المريض  حيث كل شيء له مكان ولكل شخص مكان ودائرة يسير فيها لا ينبغي عندي أن يخرج عنها وإلا سيحدث في نفسي مايحدث حين يخرج القطار عن المسار وتنفك عجلاته عن القضبان وحدث ولا حرج عن. كم الضحايا حين انقلاب.. نعم إنه كذلك وأشد، مريض نفسي " اسمه الكمالي"الناشد للكمال الذي لا يبلغه أحد، الكمال المثالي  ، والمريض منا  لا ينجز  شيئا لأنه يريد نتيجة أدق، يفعل الشيء ويعيد لا يرضى عنه  أبدا، يموت لو رأي الناس في أدائه بعضَ نقصٍ، 

ويموت لو رأي فيهم تقصير، هكذا شخصني الطبيب، كماليّ... فأكون الآن مختار الكمالي اسم ربما يبدو رنانا جميلا   لكنه عنوان مأساتي...   بالطبع لم أقبل كلامه لأنه يدخن التبغ وينفثه في وجهي في غير ذوق، إنه طبيب مريض لا يحترم الآخرين،  لو كان حقا يمكنه علاجي لعالج نفسه من السيجار  الذي يحمله، مضيت غاضبا  من عيادته لأركب الترام فاخترت كرسيا يجلس عليه طفل،  الأطفال مسالمون  لكنني منزعج  حتى من رباط حذائي، كان الطفل يجلس في مواجهة أبيه طفل صغير وسيم  ، لم تفلح وسامته  أبدافي جذبي. إليه، لقد صرت أنفر من كل شيء، كان الصغير  يأكل الشيكولات وأنتم تعلمون  أصابعه الملونة بها ومصير الكرسي والشباك والجالس المسكين الذي رماه المصير من الطبيب  صاحب التدخين لطفل صغير يأكل الشيكولات، ياله من يوم!! تماسكتُ حتى لا أثور وأنا اتحاشى أن يلمسني وكنت ألبس قميصي الأبيض  وبنطلونا رماديا

 تصورتم منظري بالطبع لو لامسني هذا الطفل  ساكون بلا شك كريمة بالشيكولات،  الحمد لله انتهت مهمتُه بسلام  أكل الشيكولات، بلا تلفيات  سوى أعصابي التالفة أصلا وأخرج الرجل منديلا ومسح ولده وأخذ منه الغلافة

وراح يعلمه كيف يقذفها بعيدا من نافذة الترام ليعيدها الهواء إلى وجهي فانفجرت كالبركان في هذا  الرجل وشرحت له مفردات شتائم القاموس اللبقة،  من نوع أنت غبي قذر متخلف، أليَقُ بك حديقة الحيوان  أنت وحمارك الصغير هذا الذي تربيه،وانهرت في البكاء فليس في وسعي استيعاب موقفٍ كهذا، كنتُ مريضا حساسا لهذا الحد  نعم،  هكذا كانت تسير حياتي ماهؤلاء الناس كيف يعيشون هكذا

تجمع.الناس حولى ليعلمون الخبر قلت وكنت في حالة انهيار 

هذا الرجل يعلم ابنه كيف يرمي الزبالة في الطريق اتتصورون⁉️ فضحك الناس وهمهموا مجنون... وأنت مالك؟!  ثم مضوا وهم يتهامسون  ، نزلت في أول محطة وأكملت الطريق مشيا لمنزلى  ساعة وربع.مشيا  افكر أأنا مجنون فعلا؟! وهل صحيح كلام الطبيب إنه مرض يحتاج علاجا سلوكيا ودوائيا،  وأن نظرتي خاطئة للنفس والحياة، هو سجن مبني من لبنات  لبنة  لابد ولازم، ولبنة لماذا يفعلون، إننا بشر وهناك مساحة خطأ؟ ولكن أرى كل المساحات  التي يعيشونها خطأ وقال ثم الناس أحرار  محاسبون  أمام الله أو المسئولين عنهم، فقط نبين لهم الخطأ والصواب ونقوِّم من في استطاعتنا تقويمه

لست عليهم بمسيطر،  عدتُ لبيتي آسفا وبقيتُ أسبوعا لا أخرج..   كنت مشغولا بفكرة أننا بشر  وأن هناك مساحة خطأ كما قال الطبيب وأن الله غفور وأنه عفو وحليم وأننا لابد نخطئ فلسنا ملائكة  قرأت عن أسماء الله وصفاته ويوم البعث وتصفياته قرأت عن قصص الذين تابوا  ومن تمادوا وأننا في الدنيا  نخطئ ونتعلم  نقع ونقوم  وربما  أورثت الزلة استقامة بعدها، بكيتُ حين رأيت أن الدنيا ليل ونهار والسماء صحو وغيم  وأني أريدها نهارا سرمدا  وأن نظرتي للحياة كانت قاصرة، رحمتُ نفسي والناس   لقد كنت فعلا على شفا جنون وقبلتُ أن الأمر يحتاج حلم ويومها خرجت وكتبي كانت على المكتب متناثرة وأوراقي بعضها  على الأرض والوسائد  وكذا الملابس

فأدركتُ أني سأشفى قريبا، لأن الكماليين لا يقبلون هذه الفوضى  وعاودت زيارة الطبيب لأعتذر وأبدأ مرحلة قبول البشر  ومساحات الخطأ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تبتعد أرجوك..هذا عنوان سعادتك